الأخبار الإقتصادية

مزادات العملة.. كيف حافظ البنك المركزي على أدواته في أصعب الظروف؟
محرر الاستثمار الأخبار الاقتصادية
مزادات العملة.. كيف حافظ البنك المركزي على أدواته في أصعب الظروف؟
عبدالعالم بجاش*
كيف استخدم البنك المركزي اليمني في عدن المزادات لإدارة أزمة حادة في ظروف الحرب..؟
قرأة في تجربة البنك في احتواء التقلبات وتمويل التجارة وحدود التدخل.
في نوفمبر 2021م، بدأ البنك المركزي اليمني في عدن تشغيل مزادات النقد الأجنبي عبر منصة إلكترونية، في محاولة للانتقال من التدخل غير المنظم إلى آلية أكثر تنظيما وشفافية في تخصيص الدولار للبنوك وتمويل الواردات.
كان الهدف الأساسي وضع جزء من النقد الأجنبي المتاح تحت إدارة البنك المركزي وإيصاله عبر الجهاز المصرفي إلى الطلب التجاري من خلال المزادات، بدل ترك كامل الطلب على الدولار للسوق الموازية.
ولكن وظيفة المزادات لا تقتصر على توفير النقد الأجنبي؛ فعندما يبيع البنك المركزي الدولار فإنه يضخ العملة الأجنبية في السوق ويسحب جزءا من السيولة المحلية المتداولة في ذات الوقت؛ ما يجعل المزاد أداة للتدخل في سوق الصرف وإدارة السيولة.
وفي اقتصاد يعاني من زيادة في كمية الأموال وارتفاع في الأسعار، يصبح التدخل ذا أثر مزدوج: إتاحة الدولار من جهة، وسحب جزء من الريال من جهة أخرى.
هذه الوظيفة أكدها صندوق النقد الدولي بصورة واضحة؛ إذ أشار في تقرير له إلى أن البنك المركزي اليمني استخدم مبيعات النقد الأجنبي لسحب جزء من الأموال الناتجة عن تمويل العجز، أي سحب جزء من الأموال الزائدة من السوق للحد من أثرها على الأسعار وسعر الصرف.
كانت الأسابيع التي سبقت نهاية عام 2021م اختبارًا مبكرًا للأداة الجديدة. فبحسب البنك الدولي، بلغ سعر الدولار في مناطق الحكومة الشرعية نحو 1,725 ريالًا في 2 ديسمبر عام 2021م، وبحلول نهاية العام كان سعر الدولار قد تراجع إلى نحو 952 ريالًا للدولار. ويربط البنك الدولي هذا التحسن بإدخال آلية مزادات النقد الأجنبي في منتصف نوفمبر، إلى جانب تغيير إدارة البنك المركزي في ديسمبر؛ وهذه الأرقام لا تسمح، بطبيعة الحال، بإسناد كامل التحسن إلى المزاد وحده، فقد حدثت في الفترة نفسها تطورات سياسية ومؤسسية واقتصادية أخرى، غير إنها تظل مؤشرًا مهمًا عند تقييم الوظيفة الأولى للمزاد، والتي تتمثل بالمساهمة في تهدئة وضبط سوق كان يمر بموجة حادة من التقلب.
ولا شك في أن الفارق هنا مهما وليس من الصواب الخلط بين القول إن المزاد كأداة يستطيع تثبيت سعر الصرف لسنوات وفي حالة تتجاوز قدرة الأداة، وبين القول إن المزاد يستطيع المساهمة في وقف موجة هلع أو تخفيف سرعة التدهور عندما يمتلك البنك المركزي موارد للتدخل، وهذه تحديدًا إحدى وظائف التدخل في سوق الصرف.
مع استمرار التجربة، أصبح بالإمكان قياس جانب آخر من أثر المزادات بعيدًا عن حركة سعر الدولار؛ فحتى نهاية يونيو عام 2022م، كان البنك المركزي قد خصص نحو 537 مليون دولار من خلال المزادات القائمة على منصة Refinitiv لتمويل واردات السلع الأساسية.
وفي أغسطس من العام نفسه، عرض البنك 120 مليون دولار عبر أربعة مزادات، بواقع 30 مليون دولار لكل مزاد؛ اكتتب المصرفيون بكامل المعروض في المزادين الأول والثاني، ثم تراجعت نسبة الاكتتاب إلى 66% في الثالث و20% في الرابع.
هذه الأرقام تكشف طبيعة المزاد بصورة أوضح من مجرد مقارنة سعر الصرف بين شهر وآخر، فقد أصبح المزاد قناة لتوزيع مورد نادر، هو النقد الأجنبي لتمويل التجارة.. ولأن هذا أمر بالغ الأهمية في بلد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد؛ فإن الطلب على الدولار موجود أصلًا لشراء الغذاء والدواء والوقود والسلع الأخرى. وإذا لم توفر البنوك جزءًا من هذا الطلب عبر القنوات الرسمية، فإنه ينتقل إلى السوق الموازية، حيث يصبح أكثر عرضة للمضاربة والاحتكار والتوقعات.
نسب الاكتتاب تكشف لنا ذلك، وتوضح أن المزاد لم يكن آلية تعمل بمعزل عن السوق. ففي بعض المزادات كان المعروض يُكتتب بالكامل، بينما تراجعت المشاركة بشدة في مزادات أخرى.
وبالرجوع إلى بيانات مركز صنعاء والتي تشير إلى أن توقعات البنوك بشأن اتجاه الريال والفارق بين سعر المزاد والسوق الموازية، قد أثرت في قرارات المشاركة؛ فعندما توقع المصرفيون استمرار تحسن الريال، أصبحت المشاركة في بعض المزادات أقل جاذبية لأن هامش الربح المتوقع من إعادة بيع العملة كان يتقلص. وهذا يعني أن المزاد كان يتفاعل مع توقعات السوق نفسها، ولم يكن مجرد ضخ إداري للدولار.
# مشاورات المادة الرابعة
في أبريل 2026م، صدر عن صندوق النقد الدولي تقرير مشاورات المادة الرابعة لعام 2025م ، تناول تدهور الاقتصاد اليمني خلال سنوات الحرب.
ومشاورات المادة الرابعة هي مراجعة دورية يجريها الصندوق مع الدول الأعضاء لتقييم تطورات الاقتصاد والسياسات المالية والنقدية وسعر الصرف والقطاع الخارجي والمخاطر الاقتصادية.
وجرت المشاورات مع اليمن في 2025م بعد انقطاع لأكثر من 11 عاما. كانت آخر مشاورات للمادة الرابعة مع اليمن في سبتمبر 2014م وتوقفت مع اندلاع الحرب التي أدت إلى تعطيل جزء كبير من البيانات الاقتصادية.
وفقا لتقرير المادة الرابعة الصادر في ابريل 2026م فإن الناتج المحلي الحقيقي في اليمن انخفض بنحو 27% بين عامي 2014م و 2024م، وتراجع الريال اليمني أمام الدولار بمتوسط سنوي بلغ نحو 26% خلال الفترة نفسها، فيما بلغ متوسط التضخم ( ارتفاع مستمر في أسعار السلع والخدمات يؤدي لإنخفاض القيمة الشرائية للعملة) بنحو 30%.
كما يشير التقرير إلى أن توقف صادرات النفط في عام 2022م أدى إلى فقدان الحكومة مصدرا رئيسيا للإيرادات والنقد الأجنبي، ودفع الاقتصاد إلى ركود عميق وانكماش تمثل في انخفاض النشاط الاقتصادي والدخل وفرص العمل.
كل تلك العوامل التي عمقتها الحرب أثرت في أزمة سعر الصرف وجاء تدخل البنك المركزي عبر المزادات، لكن المزاد يظل أداة محدودة فالبنك لا يستطيع بيع أكثر مما يملك من النقد الأجنبي.
رغم ذلك فإن تجربة السنوات التالية أظهرت تطورًا في استخدام البنك للمزادات كأداة: من بدء المزادات لتمويل الواردات عام 2021م، إلى توسيع التدخل مع توافر الدعم الخارجي، ثم تشديد إدارة سوق الصرف وتحسين آلية المزادات وتنظيم تمويل الواردات. وخلال عامي 2023م و2024م باع البنك نحو 1.05 مليار دولار عبر المزادات لتمويل الاستيراد.
ضمن مشاورات المادة الرابعة لعام 2025م وفي أحدث مراجعة شاملة للاقتصاد اليمني، نشر صندوق النقد الدولي في 3 أبريل 2026م، حزمة من الوثائق الرسمية شملت تقرير فريق خبراء صندوق النقد وبيان المجلس التنفيذي للصندوق وبيان مديره التنفيذي عن اليمن.
تقرير خبراء صندوق النقد صنف أداء البنك المركزي اليمني ضمن اقتصاد أنهكته الحرب، وانقسمت فيه المؤسسات والأسواق النقدية، وتوقفت صادرات النفط منذ عام 2022م، لكنه سجل تحسنًا نسبيًا في الاستقرار النقدي خلال عام 2025م، انعكس في تحسن سعر الصرف وتراجع التضخم واستقرار الريال بدرجة أكبر، وربط ذلك بحزمة من الإجراءات اتخذتها السلطات وليس بالمزادات وحدها.
شملت الاجراءات إنشاء اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الواردات في يوليو 2025م؛ بهدف تنظيم عمليات الاستيراد وتوجيه النقد الأجنبي نحو الواردات الأساسية وتعزيز الشفافية في تمويلها، وفرض قيود على توفير النقد الأجنبي للأغراض الشخصية، وحظر استخدام العملات الأجنبية في المعاملات المحلية، وتشديد الرقابة على شركات الصرافة، وإلغاء تراخيص شركات اتُّهمت بالتلاعب بسوق العملة، إلى جانب استمرار مزادات النقد الأجنبي وتوجيه مواردها نحو تمويل الواردات.
كما تضمنت الإجراءات تشديد إدارة السيولة والحد من تمويل عجز الحكومة من خلال إصدار النقود. ويربط الصندوق التحسن في سعر الصرف وتراجع التضخم بهذه الحزمة من الإجراءات، إلى جانب الدعم والتمويل الخارجيين.
وقد وضع صندوق النقد حدودًا واضحة لدور المزادات، فقد بلغت الاحتياطيات التشغيلية للبنك المركزي نحو 350 مليون دولار في سبتمبر 2025م، بما يغطي قرابة شهر واحد فقط من الواردات، وهو ما يحد من قدرة البنك على مواصلة التدخل بالوتيرة نفسها.
لذلك دعا تقرير خبراء الصندوق إلى مزادات أكثر شفافية وتنافسية، وإلى سعر صرف أكثر مرونة تحدده ظروف السوق، بدل الاعتماد المفرط على التدخل المباشر والقيود التنظيمية لضبط سعر الصرف.
وكان المجلس التنفيذي للصندوق اختتم في 31 مارس 2026م مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، وأصدر في 3 أبريل بيانا صحفيا رسميا تضمن «تقييم المجلس التنفيذي».
واعتبر المديرون التنفيذيون أن تعزيز إطار مزادات النقد الأجنبي ومعالجة أي اختلالات في سعر الصرف من الأولويات، إلى جانب أهمية نظام سعر صرف قائم على السوق لتحسين تخصيص النقد الأجنبي. كما رحبوا بانحسار التضخم، ودعوا إلى استمرار السياسة النقدية الحذرة، والحد من تمويل العجز بإصدار النقود، وتعزيز استقلالية البنك المركزي.
كانت المزادات جزءًا من سياسة أوسع لاستعادة الاستقرار.. وخلال النصف الثاني من عام 2025 م ظهر بجلاء أثر الإجراءات السالف ذكرها التي اتخذها البنك المركزي، في تهدئة سوق الصرف؛ فبعد أن وصل سعرالدولار إلى نحو 2,900 ريال في منتصف يوليو، تحسن سعر الريال إلى قرابة 1,600 ريال للدولار في أوائل أغسطس، قبل أن يستقر نسبيا.
وتزامن ذلك مع تباطؤ واضح في ارتفاع الأسعار، إذ تراجع التضخم السنوي من نحو 35% في يوليو إلى 6.25% في سبتمبر، وفقا لبيانات صندوق النقد الدولي الذي أشار إلى أن هذا التحسن جاء نتيجة حزمة متكاملة من إجراءات تنظيم سوق الصرف وإدارة السيولة وتوجيه النقد الأجنبي إلى جانب الدعم الخارجي.
حاليا، يتراوح سعر الدولار في عدن ومناطق الحكومة بين نحو 1,550 و1,560 ريالًا يمنيا للدولار الواحد.
وفي إطار أكثر واقعية، مزادات البنك المركزي في عدن تمثلت أهميتها في الحفاظ على أدوات السياسة النقدية، وإبقاء قدرة المؤسسة على التدخل في سوق الصرف وتوفير النقد الأجنبي للواردات، رغم الحرب والانقسام وشح الموارد.
وقد أدت المزادات وظائف محددة، أبرزها توفير النقد الأجنبي عبر القنوات المصرفية، وتمويل جزء من الواردات الأساسية، وسحب جزء من السيولة المحلية، والمساهمة في الحد من التقلبات الحادة في سعر الصرف خلال بعض المراحل، ضمن حضور أهم للبنك المركزي اليمني من عدن في احتواء التقلبات وتمويل التجارة والتدخل للحيلولة دون انهيار السوق.
تكتسب تجربة البنك المركزي اليمني- عدن، بما اتخذه من إجراءات وفي مقدمتها مزادات النقد الأجنبي، أهميتها قبل كل شيء من استمرار المؤسسة في أداء دورها النقدي خلال الحرب والانقسام، رغم عدم توفر أدوات كافية، والحفاظ على قدر من قدرة التدخل في السوق وإدارة أدوات السياسة النقدية. وتتضح أهمية ذلك أكثر عند مقارنتها بتجارب دول شهدت انهيارًا مؤسسيًا عميقًا؛ كما حدث في الصومال على سبيل المقارنة، حيث أدى انهيار الدولة عام 1991م إلى تعطيل مؤسساتها المالية وتوقف البنك المركزي عن أداء وظائفه، فيما تفكك النظام المالي وتراجع ارتباط البلاد بالنظام المصرفي الدولي. ولم تبدأ جهود إعادة بناء البنك المركزي واستعادة حضوره المؤسسي إلا عام 2009م.
وهكذا، فإنه حتى في ظل ضعف الموارد والانقسام وقصور الأداء، فإن استمرارية المؤسسة النقدية وحضورها يمثل بحد ذاته مكسبًا مؤسسيًا مهما.
*كاتب وخبير إقتصادي
