الأخبار الإقتصادية

مالا تقوله التقارير قراءة في تحولات التمويل اليمني
محرر الاستثمار الأخبار الاقتصادية
مالا تقوله التقارير
قراءة في تحولات التمويل اليمني
بقلم: ماهر فيصل سعيد*
ما لا نراه أخطر
في أربعة عشر عاماً من العمل داخل المنظومة الدولية - بين اليمن ونيجيريا والصومال وأفغانستان - شاهدت هذا النمط ثلاث مرات من قبل. التمويل لا يجف تدريجياً كما تقول العناوين؛ التمويل يعيد ترتيب نفسه، والبلدان التي تقرأ إعادة الترتيب مبكراً تستقطب موارد أضعاف ما كانت تحصل عليه، والتي تبقى تطارد البنية القديمة تتآكل.
ما يحدث في اليمن الآن ليس أزمة تمويل؛ إنه تحول هيكلي في طبيعة المال المتاح ومساراته وشروطه، والفرق بين الوصفين ليس أكاديمياً - إنه الفرق بين الاستجابة الصحيحة والاستجابة الخاطئة.
أولاً: ثلاثة تحولات هيكلية في وقت واحد
الرقم الذي يتصدر الأخبار - 350 مليون دولار فقط تمت تعبئتها مقابل 1.4 مليار من الاحتياجات - يُقدَّم عادة كاختناق مؤقت. والشواهد تقول غير ذلك.
التغيير الأول: الانسحاب الأمريكي
لم يعد مسألة إدارة سياسية واحدة؛ تفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وتصنيف أنصار الله منظمة إرهابية أجنبية، وإعادة هيكلة المعونة الأمريكية بالكامل - كل ذلك يعني أن استعادة مستويات ما قبل 2023 (حوالي 746 مليون دولار سنوياً، أي نصف مساهمات خطة الاستجابة الإنسانية) أمر لا يمكن التخطيط له أساساً. اتفاقية السنوات الخمس بين الوكالة ووزارة التخطيط بقيمة 220 مليون دولار - التي وُقعت في أبريل 2024 - معلقة فعلياً.
التغيير الثاني: التقشف الأوروبي
يسير وفق جدول زمني ثابت. هولندا أعلنت تخفيضات بقيمة 2.4 مليار يورو سنوياً في المساعدة الإنمائية ابتداءً من 2027. ميزانية وزارة التعاون الألمانية انخفضت 15% في 2024. السويد أنهت كل مساعداتها التنموية لليمن في نوفمبر 2024. الاتحاد الأوروبي رفع مخصصاته الإنسانية إلى 160 مليون يورو في 2025، لكن جزءاً كبيراً منها يعوض انهيار المساهمات الثنائية لدوله الأعضاء، لا يضيف موارد جديدة صافية.
التغيير الثالث: التمويل الخليجي يتحول من الإغاثة إلى التنمية المؤسسية
استجابة المملكة العربية السعودية لأزمة ديسمبر كاشفة: 90 مليون دولار لرواتب الخدمة المدنية (دعم مؤسسي مباشر)، و500 مليون دولار لمشاريع منظمة عبر آليات حكومية، وحزمة برنامج إعادة إعمار بقيمة 506 ملايين دولار تستهدف 16 محافظة باستثمارات قطاعية في الصحة والتعليم والطاقة والنقل. الرسالة واضحة: الرياض تبحث عن شريك حكومي موثوق لتنفيذ التنمية، لا عن تنسيق مؤقت مع أطراف مبعثرة.
النموذج التقليدي - التنافس السنوي على مخصصات خطة الاستجابة الإنسانية - استنفد هيكله. التمويل الموجود (3.09 مليار محفظة البنك الدولي النشطة، 12 مليار التزام سعودي تراكمي، 1.06 مليار تراكمي أوروبي، مليار البنك الإسلامي) يتطلب وصفة مؤسسية مختلفة تماماً: شراكة تنمية لا استجابة أزمات.
ثانياً: ثلاث قنوات تمويلية يتجاهلها الجميع
في كل بلد عملت فيه، كان هناك دائماً ملف واحد على الأقل لا يراه أحد - ليس لأنه مخفي، بل لأنه لا يقع ضمن اختصاص أي جهة بعينها. في اليمن اليوم، هناك ثلاثة ملفات من هذا النوع:
السؤال المناخي:
اليمن يتلقى حوالي ٦٠٠ دولار للفرد من تمويل التكيف المناخي - مقابل متوسط عالمي يتجاوز ١٥ دولارًا. صندوق المناخ الأخضر سرّع مسارات التعامل مع الدول الهشة وخفّض فترة مراجعة المفاهيم من ١٨ شهرًا إلى ٦ أسابيع. البرنامج القطري اليمني لدى الصندوق أُقرّ في أكتوبر ٢٠٢٤ مع منح جاهزة تصل إلى ٧ ملايين دولار. وفي الوقت نفسه، ٥٥٪ من الأسر اليمنية تعتمد الآن على الطاقة الشمسية - قصة تكيّف مدفوعة بالسوق من النوع الذي يبحث عنه صناديق المناخ تحديدًا. صندوق التكيف، مرفق البيئة العالمية، وصندوق الخسائر والأضرار الجديد - كلها قنوات متاحة لم يُطرق بابها بعد.
تحويلات المغتربين:
التقديرات تتراوح بين ٣.٨ و ٨ مليارات دولار سنويًا - المدى الواسع يعكس هشاشة الحوالة غير الرسمية. هذا الرقم يحتمل أن يتجاوز كل المساعدة الرسمية مجتمعة. التجارب الدولية واضحة: الدول التي أنشأت أدوات مؤسسية لإشراك مغتربيها - سندات، منصات استثمار، سجلات كفاءات - حصلت على زيادة تقارب ٢.٢ نقطة مئوية في التحويلات كنسبة من الناتج المحلي. سند إعادة إعمار يمني بتعزيز ائتماني من مؤسسة التمويل الدولية والبنك الدولي، سيستهدف الجالية اليمنية الكبيرة في السعودية - له سوابق وبنية تحتية.
البنية التحتية المالية الرقمية:
مشروع تحديث البنية التحتية للأسواق المالية بقيمة ٣٠ مليون دولار (أُقر في يونيو ٢٠٢٥) هو ربما أكثر المشاريع أهمية استراتيجية في المحفظة بأكملها رغم أنه الأصغر حجمًا. يبني نظام مدفوعات سريع ونظام تسوية إجمالية آنية، وقابلية تشغيل مبادلات المدفوعات الرقمية تحت إشراف البنك المركزي في عدن. في اقتصاد ٩٥٪ من سكانه خارج النظام المصرفي، و٤,٣٤٤ شركة صرافة تعمل دون رقابة منظمة، هذه البنية التحتية تمكّن كل شيء: قنوات تحويلات رسمية، توصيل حماية اجتماعية رقمياً، قاعدة ضريبية قابلة للتوسع، وبيانات المعاملات التي يحتاجها أي تخطيط اقتصادي.
ثالثًا: الأصل المؤسسي الذي لا يقدره أحد بما يكفي
الصندوق الاجتماعي للتنمية يعمل في ٣٠٠ من أصل ٣٣٣ مديرية يمنية. لا توجد مؤسسة أخرى - حكومية أو دولية - تقترب من هذا الانتشار. خلال أزمة ٢٠١١ السياسية، حافظ الصندوق على تنفيذ ٨٢٪ من مشاريعه. نموذجه القائم على الطلب يوزّع الموارد وفق بيانات الفقر على مستوى المديريات. أنظمته الائتمانية تتبع معايير البنك الدولي في المشتريات والإدارة المالية، وحيدًا السياسي نجا من كل مراحل النزاع. لهذا السبب تدفق ٣.٩ مليار دولار من منح المؤسسة الدولية للتنمية عبر الصندوق وشقيقه مشروع الأشغال العامة.
هذا ليس وصفًا مثاليًا - إنه مقارنة. في أفغانستان، برنامج التضامن الوطني- الذي عمل بالمبادئ نفسها: مجتمعي، على مستوى المديريات، محايد سياسيًا- أصبح العمود الفقري لصندوق إعادة إعمار أفغانستان (١٣.٢ مليار دولار، ٣٤ مانحًا يديره البنك الدولي). في رواندا، نظام إيميهِيجو يستخدم عقود أداء على مستوى المحافظات لربط توزيع الموارد. في كولومبيا، برنامج دي دي بي إي صمّم ١٧٠ خطة تنمية محلية بمشاركة مجتمعية في مناطق ما بعد النزاع. في إثيوبيا، برنامج شبكة الأمان الإنتاجية (١٢ مليار دولار، أكبر برنامج حماية اجتماعية في أفريقيا) يجمع بين التحويلات النقدية وبناء أصول مجتمعية- وهو النموذج نفسه الذي ينفذه الصندوق الاجتماعي بالفعل على نطاق واسع.
النمط واحد في كل هذه التجارب: البلدان التي بنت أنظمة توصيل موثوقة على مستوى المديريات استقطبت تمويلًا سنويًا أضعاف ما حصلت عليه تلك التي اعتمدت على التخطيط المركزي وحده.
رابعاً: ما كشفته أزمة ديسمبر
التوسع السريع للمجلس الانتقالي في حضرموت والمهرة- المحافظتان اللتان تحتضنان نحو 80% من الاحتياطات النفطية اليمنية- لم ينجح مبدئياً بالتفوق العسكري، بل نجح لأن فراغاً في الحوكمة جعل السكان الذين شعروا بأن المؤسسات المركزية لا تخدمهم مستعدين لسماع خطاب بديل. استعادة عدن بحلول 7 يناير عالجت البعد الأمني، لكن البعد التنموي – تقديم خدمات مرئية وخاضعة للمساءلة على مستوى المديريات والمحافظات - لا يزال التحدي الهيكلي المفتوح.
ما قاله رئيس مجلس القيادة الرئاسي في مؤتمر ميونخ للأمن في 14 فبراير- أن “الأمن البحري يبدأ ببناء دولة يمنية قادرة”- يعكس إدراكاً لهذا على أعلى مستوى سياسي، لكنه يعكس أيضاً تحوّلاً مهماً في الإطار: تموضع اليمن كاستثمار أمني دولي وليس مجرد أزمة إنسانية. بالنسبة للاتحاد الأوروبي تحديداً- حيث اضطراب الملاحة في البحر الأحمر والهجرة من القرن الأفريقي مصدر قلق سياسي نشط - هذا الإطار يربط احتياجات اليمن التنموية بالمصالح الاستراتيجية الأوروبية بطريقة لا تستطيع النداءات الإنسانية وحدها تحقيقها.
خامساً: الرقم الذي يختصر كل شيء
وفق آخر رصد لإعلان باريس: صفر بالمئة من المانحين الدوليين يستخدمون أنظمة الإدارة المالية العامة اليمنية - انخفاضاً من 23% في 2016 و35% في 2014 - فقط يبلغون عن مساعداتهم عبر منصات تتبع مشتركة.
بدون منصة إدارة معونة فعالة، لا يمكن تتبع نتائج التنمية أو تنسيقها أو نسبها لقيادة حكومية. نظام جوبس في الأردن، وتجربة الصومال في رسم خرائط المعونة بقيادة حكومية، وهيكل الإدارة المالية لصندوق إعادة إعمار أفغانستان - كلها تبين أن استعادة هذه القدرة هي ما يميز وزارات التخطيط التي تنسق التنمية عن تلك التي تكتفي بتوقيع الاتفاقيات.
التمويل موجود، المؤسسات القادرة على التنفيذ موجودة، التجارب الدولية المرجعية موجودة. ما ينقص هو الرابط المؤسسي الذي يحول كل ذلك من إمكانية إلى مسار - وهذا بالضبط ما يفترض أن تكون وزارة التخطيط والتعاون الدولي.
*خبير مالي وإقتصادي- 14 عاما في منظومة التعاون الدولي والعمل الإنساني، اليمن-نيجيريا- الصومال- وافغانستان.
فبراير 2026

