محررو الإستثمار

ماذا يعني استخدام الصين لليوان الرقمي في التسويات العابرة للحدود؟
هجوم الصين على الدولار الأمريكي من خلال تعزيز استخدام اليوان الرقمي في التسويات العابرة للحدود يمثل تحولاً استراتيجياً في النظام النقدي العالمي، إذ يعكس محاولة جادة لإعادة تشكيل ملامح الهيمنة المالية الدولية التي ظلت لعقود بيد الدولار.
إعلان بنك الشعب الصيني عن ربط نظام التسوية الخاص باليوان الرقمي مع الدول الأعضاء في رابطة آسيان بالإضافة إلى ست دول أخرى من الغرب الأوسط، لا يمكن قراءته فقط كخطوة تقنية أو تعاون إقليمي، بل هو في جوهره توجه اقتصادي-سياسي محسوب بعناية لتوسيع نطاق النفوذ المالي الصيني وخلق بديل عملي لنظام "سويفت" الخاضع للرقابة الغربية.
عندما تتمكن بكين من إقناع شركائها التجاريين بتجاوز الدولار في تعاملاتهم البينية لصالح اليوان الرقمي، فإن ذلك يعني تحجيم قدرة الولايات المتحدة على استخدام عملتها كأداة نفوذ وعقاب اقتصادي، كما حصل سابقاً مع دول وكيانات تعرضت لعقوبات أمريكية شاملة أثّرت على تدفقاتها المالية، ومع تجاوز ما يقرب من 38% من حجم التجارة العالمية لنظام سويفت لصالح آلية تسوية جديدة لا تخضع للمراقبة الغربية، فإن الأسواق العالمية ستشهد إعادة توزيع واضحة لأوزان العملات في سلة الاحتياطات الدولية، مما سيؤثر حتماً في الطلب العالمي على الدولار، وبالتالي في قيمته واستقراره.
في هذا السياق، لا يمكن فصل هذا التحول عن أبعاد الحرب التجارية التي اندلعت منذ سنوات بين واشنطن وبكين، والتي بدأت برسوم جمركية وتصريحات نارية، لكنها اليوم تنتقل إلى ميدان أكثر حساسية واستدامة: ميدان العملات والتسويات العابرة للحدود، فالولايات المتحدة التي أطلقت شرارة هذه الحرب ظناً منها أنها تفرض مزيداً من الخنق الاقتصادي على خصومها، تجد نفسها أمام واقع جديد تفقد فيه تدريجياً إحدى أهم أدوات سيطرتها على الاقتصاد العالمي.
الصين، من جانبها، لا تعتمد فقط على قوتها التصديرية أو احتياطاتها الهائلة من النقد الأجنبي، بل تمضي بخطى ثابتة لبناء منظومة بديلة متكاملة، لا تقتصر على التجارة، بل تمتد إلى التكنولوجيا المالية، والعملات الرقمية للبنوك المركزية، وربما لاحقاً إلى تسعير سلع استراتيجية بعملتها.
التحدي الصيني للدولار لا يمكن قراءته على أنه ضربة عابرة فقط، بل مسار تصاعدي قد يصل بالفعل إلى الضربة القاضية إن استمرت واشنطن في التقليل من شأن التحولات الكبيرة الجارية في موازين القوى الاقتصادية العالمية.
وحيد الفودعي