دخلت الأسواق المالية العالمية مرحلة حاسمة من إعادة تسعير الأصول والمخاطر، مدفوعةً بتقاطع تاريخي بين اشتعال الضغوط التضخمية الجيوسياسية والمصادقة الرسمية لمجلس الشيوخ الأمريكي على تعيين "كيفين وارش" رئيساً
جديداً لمجلس الاحتياطي الفيدرالي.
ودفع هذا التحول الهيكلي أسعار الذهب للتراجع إلى أدنى مستوياتها في أسبوع لينهي تعاملاته قريباً من مستوى 4540 ولاراً للأوقية، متكبداً خسارة أسبوعية بلغت 3.4% ما يعادل قرابة 164 دولاراً للأوقية مقارنة بمستوياته البالغة 4,704 دولارات قبل أسبوع.
وفي هذا السياق، يجمع خبراء المال والاقتصاد على أن هذا المشهد لا يمثل مجرد تصحيح عابر، بل هو مؤشر قاطع على أن الفيدرالي بات يمتلك المبررات الكافية والعقيدة النقدية اللازمة للعودة إلى مسار رفع أسعار الفائدة مجدداً لكبح جماح الأسعار.
هل تدفع حرب إيران الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة؟ - موقع 24قالت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، إن تخفيضات أسعار الفائدة من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ستكون "ذات نتائج عكسية"، محذرة من أن البنك المركزي قد يحتاج إلى رفع تكاليف الاقتراض لمواجهة تداعيات حرب الرئيس دونالد ترامب في إيران، وذلك وفقاً لتحذيرات من كبار مسؤولي ...
ويرى الخبراء، أن التراجع الأخير للمعدن الأصفر يعكس تحولاً عميقاً في سلوك المستثمرين؛ فبالرغم من تفاقم الصراعات الجيوسياسية التي تدعم عادةً ملاذات التحوط، إلا أن قفزة أسعار النفط فوق مستويات 105 دولارات للبرميل أثارت مخاوف الأسواق من موجة تضخمية ثانية.
ووفقاً لآراء الخبراء، فإن الأسواق بدأت تدرك أن "التضخم المستورد" من قطاع الطاقة سيعوق أي محاولة لخفض الفائدة، مما جعل الصناديق الاستثمارية تفضل التسييل السريع والاندفاع نحو الأصول التي تدر عائداً مرتفعاً ومضموناً مثل الدولار وعوائد الخزانة لأجل 10 سنوات، بدلاً من الاحتفاظ بالذهب الذي لا يقدم توزيعات دورية.
ويتطابق هذا التقييم الميداني مع العقيدة النقدية الصارمة التي يحملها رئيس الفيدرالي الجديد "كيفين وارش".
ويشير الخبراء، إلى أن وارش، المعروف بمواقفه "الصقورية" المتشددة، ينظر إلى الطفرات السعرية الأخيرة بوصفها نتاجاً لسياسات التيسير المفرطة السابقة، مما يجعله أكثر ميلاً لتبني قرارات حاسمة.
ويتوقع اقتصاديو المعهد الدولي للتمويل أن تتجه إدارة وارش نحو تثبيت معدلات الفائدة عند مستويات مرتفعة تتراوح بين 3.5% و3.75% لفترة أطول من المتوقع، مع الإبقاء على خيار الرفع الإضافي مطروحاً بقوة على طاولة اجتماع لجنة السوق المفتوحة في حزيران المقبل، إذا استمر مؤشر أسعار المستهلكين في عناده فوق المستويات المستهدفة.
تقرير: سياسات الفائدة قد تفاقم الأزمة الاقتصادية العالمية - موقع 24حذّر محللون من أن البنوك المركزية العالمية قد تدفع الاقتصاد العالمي نحو الركود، إذا لجأت إلى رفع أسعار الفائدة لمواجهة صدمة أسعار النفط الناجمة عن التوترات والحرب في إيران.
كما تشمل خطط وارش تقليص الميزانية العمومية للاحتياطي الفيدرالي عبر بيع السندات بشكل مباشر.
ووفقاً لتقارير الاستراتيجيات المالية، فإن هذا "الزلزال التنظيمي" يهدف إلى سحب السيولة الفائضة من النظام المصرفي لفرملة حركة الأسعار، غير أنه يؤدي في الوقت نفسه إلى خلق ضغوط بيعية مستمرة على السندات، مما يدفع عوائدها نحو الارتفاع.
ويؤكد الخبراء، أن هذا الترابط يمثل الضغوط الحقيقية الكامنة وراء هبوط الذهب بنسبة تتجاوز 13% منذ بدء الاضطرابات الإقليمية الأخيرة، حيث أصبحت تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالمعدن الثمين مرتفعة للغاية مقارنة بالاستثمار في ديون الخزانة الأمريكية التي تدعمها العوائد المرتفعة.
وعلى الصعيد المؤسسي والسياسي، يقف وارش أمام معركة معقدة لإثبات استقلالية الفيدرالي أمام ضغوط الإدارة الأمريكية التي تفضل عادةً معدلات فائدة منخفضة لتحفيز النمو.
وما يزيد من تعقيد المشهد هو بقاء الرئيس السابق جيروم باول عضواً في مجلس المحافظين، ما يراه خبراء القانون المصرفي صمام أمان يمنع أي تحولات راديكالية مفاجئة، ويفرض على الإدارة الجديدة نوعاً من التدرج والتوافق في اتخاذ القرارات المصيرية.
وتتجه الانظار الآن صوب منتصف شهر حزيران المقبل، حيث سيكون الاجتماع المرتقب للاحتياطي الفيدرالي والخطاب الافتتاحي لوايرش بمثابة بوصلة تحدد مسار الأسواق للمرحلة القادمة.
وفي ضوء الحقائق السابقة، فإن الاقتصاد العالمي يقف عند مفترق طرق حرج؛ فإما التكيف مع واقع الفائدة المرتفعة لفترة ممتدة، أو مواجهة تقلبات حادة في أسواق الأسهم والسلع التي بدأت بالفعل تشهد تخارجاً ملحوظاً لرؤوس الأموال بحثاً عن الملاذات الدولارية الأكثر جاذبية.