بات الخوف كل الخوف في الاتحاد الأوروبي حالياً، منحصراً في شبح الركود التضخمي. ما إن خرجت هذه الكتلة، إلى جانب بقية دول القارة، من آثار الأضرار التي خلّفتها الحرب الروسية الأوكرانية،
حتى جاءت الأزمات الناجمة عن المواجهة الأميركية الإسرائيلية الإيرانية، لتُعيد تهديدات التضخم والركود، وفي أحسن الأحوال، لتُقلص النمو المنخفض أصلاً. أضرار هذه المواجهة ليست حكراً على أوروبا بالطبع، إلا أنها الأكثر تأثراً، في وقت، تعيد فيه هذه القارة صياغة «عقيدتها» الدفاعية، في أعقاب تراجع الدور الأميركي فيها. وهذا يعني أنه يتوجب عليها أن تضخ مزيداً من ناتجها المحلي في تمويل قدراتها العسكرية المختلفة، علماً بأن التحولات التي أحدثتها سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الساحة العالمية ككل لن تغيب حتى بعد خروجه من البيت الأبيض.
التعطل الراهن لإمدادات الطاقة، والضغوط الدفاعية على الإنفاق، بالإضافة إلى ارتفاع مستمر للديون الحكومية، إلى جانب عدم وضوح الرؤية حيال نهاية المواجهة في منطقة الخليج، كلها عوامل زادت من المخاوف بوقوع ركود تضخمي في الاتحاد الأوروبي على وجه الخصوص. وهذا النوع من الركود يقود إلى مستويات أكثر خطورة، لأنه (كما هو معروف) مزيج من تراجع الإنتاج، وبطالة مرتفعة، ونمو ضعيف أو «صفري». كل هذا يأتي، في ظل ارتفاعات متواصلة لأسعار الخدمات والسلع، ما يعني أن الأزمة لن تكون سهلة الحل، خصوصاً إذا ما استمرت حالة عدم اليقين السائدة على مستوى العالم ككل. الأداة الوحيدة التقليدية المتوافرة دائماً، هي وضع أسعار الفائدة تحت المجهر، ورفعها إذا ما تطلّب الأمر ذلك.
الوضع الاقتصادي العام في الاتحاد الأوروبي يتسبب أيضاً بتحولات وتغييرات سياسية مفهومة، لكن بعضها يُعد في الأوساط الأوروبية خطيراً للغاية، ولاسيما وصول تيارات سياسية متطرفة إلى المراكز التشريعية والخدمية. على الحكومات أن تستوعب بسرعة أكبر ما يجري على الجانب الاقتصادي، وأن تتخذ الإجراءات التي تُوقف أي تدهور جديد، مع مهمة أصعب، وهي عدم التسبب في توسيع دائرة عدم الرضا الشعبي عليها. إنها معادلة صعبة، خصوصاً إذا ما أخذنا في الاعتبار، أنه لا يوجد إصلاح اقتصادي يلقى عادةً استحساناً شعبياً في أي مكان.