موازنة طوارئ قائمة على التدفق النقدي.. كيف ستدار مالية فلسطين في 2026؟

فلسطين
اقتصاد فلسطين

الاقتصادي– اعتبر الخبير الاقتصادي والباحث في المالية العامة مؤيد عفانة أن ما طُرح في جلسة الحكومة الأسبوعية الأخيرة، وما عرضه وزير المالية بشأن التوجه لإقرار موازنة عام 2026 قائمة على التدفق النقدي، يعد خطوة إيجابية واستجابة مباشرة لواقع المالية العامة الصعب في فلسطين.

وأوضح عفانة في حديث خاص لـ"الاقتصادي" أن المالية العامة الفلسطينية تمر بأزمة مالية حادة في ظل ما وصفه بـ"تصفير أموال المقاصة"، مشيراً إلى أن التعريف التقليدي للموازنة العامة – وفق قانون 98 – يقوم على أنها برنامج مفصل لنفقات السلطة الوطنية وإيراداتها لسنة مالية، ويشمل تقديرات سنوية للإيرادات والمنح والقروض وكذلك النفقات والمدفوعات.

وأضاف أن هذا التعريف لم يعد ينطبق على الواقع الحالي، لافتاً إلى أن فلسطين فقدت ثلثي إيراداتها المقدرة نتيجة احتجاز إسرائيل لإيرادات المقاصة، متوقعاً استمرار هذا الاحتجاز طوال عام 2026، في ظل الأزمة المالية القائمة والإجراءات الإسرائيلية، إضافة إلى كون العام الجاري عاماً انتخابياً في إسرائيل.

وأشار إلى أن التحول نحو موازنة طوارئ قائمة على التدفق النقدي يمثل استجابة واقعية لهذه الظروف، مبيناً أن وزارة المالية لا تستطيع إعداد الموازنة بالشكل الاعتيادي، في ظل اعتماد الإيرادات بشكل كبير على المقاصة.

وقال إن الإيرادات المقدرة تبلغ نحو 16 مليار شيكل، منها 11 مليار شيكل عبر المقاصة، وهو ما يجعل بناء الموازنة وفق النهج التقليدي أمراً غير ممكن في المرحلة الحالية.

وبيّن عفانة، أن التوجه الجديد يقوم على تقدير التدفقات النقدية الشهرية، بحيث يتم التعامل مع الإيرادات المتاحة في كل شهر – مثل آذار ونيسان وأيار – سواء كانت من الإيرادات المحلية أو المنح والمساعدات الخارجية، أو من خلال إجراءات فنية وتسويات مالية تتعلق بالضرائب والرسوم المختلفة.

وأوضح أنه في ضوء هذه التدفقات يتم تحديد أولويات الإنفاق وفق السيولة المتاحة، الأمر الذي يعني أن نسبة الرواتب قد تكون متغيرة شهرياً بحسب الموارد المتوفرة.

وأضاف أن وزير المالية أشار خلال المداولات إلى أن الإنفاق سيعطي أولوية لقطاعات الصحة والتعليم والأمن، وهو ما يعد جزءاً من التحول في إعداد الموازنة لتكون أكثر استجابة للواقع الاقتصادي وتعزيز صمود المواطنين.

وأكد عفانة أهمية دعم القطاع الصحي، موضحاً أن عدم توفير خدمات حكومية كافية قد يدفع المواطنين للتوجه إلى المستشفيات الخاصة، ما يزيد الأعباء عليهم، الأمر الذي يتطلب تخصيص نفقات كافية لدعم الخدمات الصحية، إلى جانب دعم قطاع التعليم.

كما شدد على أهمية قطاع الأمن في تعزيز السلم المجتمعي وتوفير الأمن للمواطنين، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

ضبط الإنفاق أولوية

وأشار عفانة إلى أن موازنة الطوارئ النقدية تقوم أيضاً على ضبط الإنفاق بشكل صارم، موضحاً أنه لم يعد هناك مجال للنفقات غير الضرورية مثل النثريات أو المشاريع التطويرية غير الملحة.

وقال: "لسنا أمام موازنة فيها شراء سيارات أو استملاك أراضٍ أو بناء مقرات ومكاتب جديدة، فهذا الحديث أصبح ترفاً بعيداً عن الواقع".

وأوضح أن الموازنة ستتركز على دفع نسبة من الرواتب وتغطية النفقات التشغيلية الأساسية، خاصة في القطاعات التي تعزز صمود المواطنين وتضمن استمرار الخدمات الأساسية.

وأضاف أن هذه الموازنة ستخضع لمزيد من النقاش داخل مجلس الوزراء، ومن المتوقع عرضها أيضاً على مؤسسات المجتمع المدني والباحثين والاقتصاديين لمناقشتها، قبل إقرارها بقرار بقانون من الرئيس وفق الأصول قبل نهاية الشهر الجاري.

إمكان زيادة الإيرادات دون تحميل المواطن أعباء جديدة

وفيما يتعلق بالإيرادات، أكد عفانة أنه يمكن زيادة الإيرادات المحلية دون فرض أعباء إضافية على المواطنين، مشيراً إلى أن هناك نسباً مرتفعة من التهرب الضريبي والجمركي.

وأوضح أن وجود ما وصفه بـ"المناطق الرمادية" بين الضفة الغربية وإسرائيل، خاصة في المناطق المصنفة (ج) التي تشكل نحو 61% من مساحة الضفة الغربية، إضافة إلى عدم سيطرة السلطة الفلسطينية على المعابر، يسهم في عمليات تهريب مختلفة تؤدي إلى خسائر كبيرة في الإيرادات العامة.

وقال إن ضبط هذه العمليات يمكن أن يحقق إيرادات إضافية للموازنة دون التأثير على المواطن العادي، مؤكداً أن المواطن "مستنزف مالياً" ولا يحتمل أعباء ضريبية جديدة.

وأضاف أن هناك أيضاً مهن ومصالح لا تلتزم بدفع الضرائب رغم أن المواطن يدفع الضريبة ضمن سعر السلعة أو الخدمة، داعياً إلى توسيع القاعدة الضريبية أفقياً وليس زيادة الضرائب عمودياً.

وأوضح أن المقصود بالتمدد الضريبي الأفقي هو تحقيق العدالة الضريبية وتوسيع الالتزام الضريبي بدلاً من زيادة الأعباء على الملتزمين.

وأشار إلى أن الثقافة الضريبية في المجتمع تأثرت تاريخياً بفترة الاحتلال، حيث كان التهرب الضريبي مرتبطاً برفض دفع الضرائب للاحتلال، إلا أن الضرائب اليوم تذهب لتمويل قطاعات التعليم والصحة والحكم المحلي التي يستفيد منها المواطن.

معالجة ملف صافي الإقراض

كما لفت عفانة إلى إمكانية تحقيق إيرادات إضافية من خلال التسويات المالية مع الهيئات المحلية وشركات التوزيع فيما يعرف بملف صافي الإقراض.

وأوضح أنه من غير المنطقي أن تقوم بعض الهيئات المحلية بجباية رسوم الكهرباء بنظام الدفع المسبق دون تحويل الأموال إلى الجهات المزودة أو إلى وزارة المالية، مؤكداً أن العدالة تقتضي تحويل هذه الأموال للجهات المعنية.

ترشيد النفقات

وأكد أن ترشيد النفقات يمثل أداة مهمة لا تقل أهمية عن زيادة الإيرادات، مشيراً إلى أن تقليص المصاريف غير الضرورية يمكن أن يوفر موارد إضافية.

وأوضح أن ذلك يشمل تقنين شراء المركبات الرسمية وتقليل السفريات الخارجية، بحيث تكون السفريات – إن وجدت – ممولة من الجهات المستضيفة.

وقال إن هذه الإجراءات قد توفر مبالغ يمكن استخدامها في زيادة نسبة الرواتب أو دعم قطاعي التعليم والصحة.

عام اقتصادي صعب

وأشار عفانة إلى أن عام 2026 سيكون عاماً صعباً اقتصادياً، ما يتطلب البحث عن حلول مبتكرة للحفاظ على استقرار المالية العامة.

وفي هذا السياق شدد على أهمية تعزيز المنتج الوطني المحلي كأحد المسارات التي يمكن أن تسهم في تحسين الإيرادات.

وأوضح أن نحو 68% من إيرادات المقاصة تأتي من الضرائب على الواردات، وعندما يتم استبدال السلع المستوردة أو الإسرائيلية بمنتجات وطنية، فإن ذلك يؤدي إلى توسيع النشاط الاقتصادي المحلي.

وقال إن زيادة الطلب على المنتج الوطني تعني توسع الشركات المحلية في الإنتاج وتوظيف مزيد من العمال ودفع ضرائب أكبر، ما يعزز الإيرادات المحلية.

واقترح البدء بقطاعات تمتلك فلسطين فيها بدائل إنتاجية مثل قطاع الأغذية والملابس والأحذية والحجر.

وأضاف أن الهدف ليس خفض المقاصة إلى الصفر، بل تقليص الاعتماد عليها تدريجياً، موضحاً أن خفض نسبتها من 68% إلى 65% يمكن أن يسهم في خلق آلاف فرص العمل وتوفير إيرادات إضافية للسلطة الوطنية.

رواتب الموظفين

وفيما يتعلق برواتب الموظفين، قال عفانة إن وزارة المالية تعمل على تجميع الموارد المتاحة بهدف توفير دفعة للموظفين قبل عيد الفطر، لكنه أشار إلى عدم توفر معلومات دقيقة حول نسبة الصرف أو موعدها.

وأضاف أن الظروف المالية صعبة للغاية، خاصة في ظل وقف إيرادات المقاصة وتراجع الدعم الدولي خلال الفترة الحالية.

وأوضح أن الحرب على إيران، أثرت بشكل كبير على الإيرادات المحلية، نتيجة إغلاق الطرق والمدن والمحافظات ومنع فلسطينيي الداخل من التسوق في المدن الفلسطينية، وهو ما انعكس سلباً على دورة الاقتصاد المحلي.

كما أدى تعطيل الجامعات والمدارس بسبب الحرب إلى انكماش النشاط الاقتصادي، إلى جانب تأثير الاضطرابات في سلاسل التوريد والموانئ على الواردات، الأمر الذي زاد الضغوط على الإيرادات المحلية وعلى المالية العامة الفلسطينية.

تفاصيل الخبر في : اقتصاد فلسطين
طباعة