ذروة الإنتاج ومستقبل الوقود الأحفوري

ذروة الإنتاج ومستقبل الوقود الأحفوري

الأخبار الاقتصادية

ذروة الإنتاج ومستقبل الوقود الأحفوري

 

م. نائل علي باجبير*

 

تشهد معادلة الطاقة العالمية تحولاً يعكس صراعاً بين متطلبات النمو الاقتصادي، والجدوى الاقتصادية للموارد، والتوجهات البيئية والمناخية. وتتداخل المفاهيم حول "ذروة الطاقة" للوقود الأحفوري (الفحم، النفط، والغاز) ما بين ذروة نسبية وذروة مطلقة، في ظل استمرار الحاجة الاستراتيجية لهذه المصادر في الأسواق العالمية.

 

الفحم الحجري (ذروة المزيج وبقاء الاستهلاك القياسي):

يمثل الفحم ثلثي معادلة الثورة الصناعية التاريخية؛ ورغم المحاولات العالمية للحد منه بسبب الانبعاثات، لا يزال يُشكل ثاني أكبر مصدر للطاقة عالميا بحصة تصل إلى نحو 26% من المزيج الطاقة الحالي.

 

الاستهلاك وميزان القوى الإنتاجي:

 مؤشرات الاستهلاك في الصين من الفحم يبلغ 4.8 مليار طن سنويا، وتعتمد الصين عليه أساسا لتوليد الكهرباء وتشغيل المصانع لرخص ثمنه ووفرته حيث تقدر قيمة 4.8 مليار طن من الفحم بحوالي 400-500 مليار دولار امريكي سنويا، ويعتبر الفحم الحجري أرخص مصدر لتوليد الطاقة في آسيا.

من ناحية أخرى تستهلك الصين نحو 15 مليون برميل نفط يوميا بقيمة تعادل تقريبا 400 مليار دولار سنويا، بينما يبلغ استهلاكها السنوي من الغاز الطبيعي نحو 404 مليار متر مكعب في 2024 بقيمة تقريبية تتراوح بين 100 إلى 150 مليار دولار سنويا.

 

 

مسار ذروة الفحم:

بلغت حصة الفحم ذروتها كنسبة مئوية من إنتاج الطاقة العالمي في عام 2008 عند نحو 30% من حصص مصادر الطاقة الأولية، ويستمر الطلب على الفحم في تسجيل مستويات قياسية متعاقبة حتى منتصف العقد الحالي (بما في ذلك عامي 2024 و2025) مدعوما بالاستهلاك الآسيوي الضخم.

 

التوقعات المستقبلية للاستهلاك الفحم:

 تهدف السياسات المناخية الدولية إلى تقليص حصة الفحم في مزيج الطاقة العالمي من 26% في عام 2022 لتصل إلى 15% بحلول عام 2045.

 

مسار ذروة النفط والغاز الطبيعي

خلافا للفحم، لم يصل العالم حتى الآن إلى ذروة نهائية مطلقة في استخدام أو طلب النفط والغاز؛ إذ يستمر الطلب بالنمو أو الاستقرار عند مستويات قياسية مدفوعا بمتطلبات الأسواق الناشئة والنمو السكاني.

 

التطور التاريخي للاستهلاك العالمي للنفط:

في عام 1900م (بداية عصر النفط الحديث) كان استهلاك النفط محدود لا يتجاوز 400 ألف برميل يوميا، واقتصر الاستخدام على الكيروسين للإضاءة والزيوت للتشحيم، وفي عام 1930م (صعود السيارات والتصنيع) ارتفع الاستهلاك للنفط إلى نحو 4 ملايين برميل يوميا، مدفوعا بانتشار السيارات (مثل طراز T من فورد) واستخدام الوقود السائل في السفن والمصانع والطيران، وبحلول عام 1970م (العصر الذهبي للتوسع) قفز الاستهلاك ليبلغ نحو 46 إلى 48 مليون برميل يوميا، مع هيمنة مطلقة للنفط على مزيج الطاقة العالمي قبل صدمات السبعينيات، وكان استهلاك النفط عام 2000م (عصر العولمة وصعود آسيا) وصل الاستهلاك إلى نحو 76 إلى 77 مليون برميل يوميا نتيجة الطفرة التصنيعية في الأسواق الناشئة وعلى رأسها الصين والهند، بينما المشهد الحالي (2026م) يتجاوز الطلب الاستهلاكي للنفط 103 ملايين برميل يوميا، مستقراً عند مستويات قياسية مدعوما بقطاعات النقل الثقيل والبتروكيماويات والنمو الاقتصادي الناشئ.

 

آفاق ذروة الطلب للنفط والغاز:

• النفط الخام:

 تجاوز الاستهلاك للنفط عقبة 100 مليون برميل يوميا بقيمه تقارب 7 مليار دولار يوميا و 2.5 ترليون دولار سنويا اي ما مقداره 7% من اجمالي قيمة التجارة العالمية البالغة تقريبا 34 تريليون دولار حاليا. وترى وكالة الطاقة الدولية أن ذروة الطلب ستحدث بين عام 2030 وأوائل الثلاثينيات ضمن سيناريو التحول السريع، بينما تتوقع منظمة أوبك استمرار النمو ليتجاوز 123 مليون برميل يوميا بحلول عام 2050م مع حصة تشكل 29.5% من المزيج العالمي.

 

التباين الحاد بين توقعات وكالة الطاقة الدولية والمنظمات مثل أوبك هو ما يدفع الاضطرابات الإقليمية وصراعات الطاقة والاستحواذ على المنابع والسوق الاستهلاكية، والتوجهات السياسية والمناخية هو ما يجعل هذه الاضطرابات مشتعلة.

 

• الغاز الطبيعي: 

يعد الغاز الطبيعي الوقود الأحفوري الأكثر مرونة؛ حيث يزداد الطلب عليه في توليد الكهرباء والقطاعات الصناعية ومراكز البيانات الحديثة، مع توقعات بارتفاع حصته في المزيج العالمي من 23.1% في 2022 إلى 24.2% بحلول عام 2045 دون مؤشرات على ذروة تراجع قريبة.

 

الجدوى الاقتصادية ومستقبل التحول الطاقوي 

يرجع التوجه نحو مصادر الطاقة المتجددة (كالشمس والرياح) في جوهره إلى عوامل اقتصادية وجغرافية وليس مجرد دوافع بيئية ومن أهم هذه العوامل ما يلي:

• معادلة التكلفة والوفرة المحلية: يعكس التوجه نحو الطاقة المتجددة رغبة الدول في خفض الاعتماد على المصادر مرتفعة التكلفة والتحول نحو المصادر الأرخص والمتاحة في بيئتها وجغرافيتها.

• استراتيجية الدول المنتجة: تتجلى هذه الجدوى في إقدام دول كبرى منتجة للنفط (مثل المملكة العربية السعودية) على التوسع في مشاريع الطاقة الشمسية لاستغلال الإشعاع الشمسي الوفير محلياً وتوفير النفط والغاز للتصدير أو الصناعات التحويلية.

• واقع الوقود الأحفوري بحلول 2045: تشير التقديرات إلى أن الوقود الأحفوري المجتمَع (النفط والغاز والفحم) سيظل يشكل الحصة الكبرى من مزيج الطاقة العالمي بنسبة تتجاوز 69% (النفط 29.5%، الغاز 24.2%، والفحم 15.5%)، مما يؤكد أن التحول الطاقوي هو عملية إعادة توازن هيكلي تضمن أمن الطاقة واقتصادياتها.

 

التقييم المالي والحجمي لشرايين الطاقة العالمية

تصل التقديرات العالمية لاستهلاك مختلف مصادر الطاقة وقيمتها المادية السوقية المباشرة بناءً على أحدث بيانات ومؤشرات الطاقة العالمية لعامي 2025/2026 إلى ما يلي:

1. الوقود الأحفوري (الإجمالي: ~5.19 ترليون دولار سنوياً)

o النفط الخام:

> الاستهلاك: ~104 ملايين برميل يومياً (38 مليار برميل سنوياً).

> القيمة المادية: تصل إلى 2.85 ترليون دولار سنوياً (بمتوسط سعر مرجعي 75 دولاراً للبرميل).

o الغاز الطبيعي:

> الاستهلاك: ~11.8 مليار متر مكعب يوم0ياً (4,300 مليار متر مكعب سنوياً).

> القيمة المادية: تصل إلى 1.2 ترليون دولار سنوياً (بمتوسط تسعير بين 7 إلى 9 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية MMBtu).

o الفحم الحجري:

> الاستهلاك: ~24.2 مليون طن يومياً (8.85 مليار طن سنوياً).

> القيمة المادية: تصل إلى 1.11 ترليون دولار سنوياً (بمتوسط سعر بين 110 إلى 140 دولاراً للطن).

 

2. مصادر الطاقة الأخرى (الطاقة النظيفة والمتجددة)

تنقسم القيمة المالية لمصادر الطاقة غير الأحفورية بين حجم التداول والاستثمار المباشر في توليد الكهرباء والأسواق الاقتصادية الخاصة بها:

o الطاقة المتجددة (الشمس، الرياح، المائية، والكتلة الحيوية):

> الحصة في المزيج العالمي: تُشكل الطاقة المتجددة والكهرومائية معاً نحو 14.4% من الطاقة الأولية حالياً، مع توقع قفزة تصل إلى أكثر من 21% بحلول 2045.

> القيمة المالية والسوقية: يُقدر حجم سوق واقتصاد الطاقة المتجددة العالمي حاليا بما يتراوح بين 1.10 إلى 1.30 ترليون دولار سنويا (شاملة الاستثمارات المباشرة في الأصول ومبيعات الكهرباء المولدة)، وتتصدر الطاقة الشمسية وطاقة الرياح النصيب الأكبر من القيمة السوقية.

 

o الطاقة النووية:

> الحصة في المزيج العالمي: تمثل نحو 5.2% من مزيج الطاقة الأولي العالمي، ومن المتوقع أن ترتفع إلى 6.6% بحلول 2045.

> القيمة المالية والسوقية: تُقدر القيمة المادية والتجارية الإجمالية لتوليد الطاقة النووية وتداول وقود اليورانيوم بـ 210 إلى 240 مليار دولار سنويا.

 

قيمة الحصة السوقية للوقود الأحفوري:

تتراوح حصة الوقود الأحفوري (النفط الخام، المشتقات البترولية المكررة، الغاز الطبيعي، والفحم) من إجمالي القيمة النقدية لتجارة السلع العالمية بين 12% إلى 18%، وتتأثر هذه النسبة بشكل مباشر بتقلبات أسعار الطاقة العالمية والتضخم ومستويات الطلب.

توزيع هذه الحصة وأثرها على حركة التجارة السلعية يتركز في النقاط التالية:

القيمة المالية مقابل حجم الشحن:

- من حيث القيمة النقدية: يشكل الوقود الأحفوري ما يقارب 13% - 15% من القيمة الإجمالية للصادرات السلعية العالمية (وفقاً لمؤشرات منظمة التجارة العالمية ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "أونكتاد").

- من حيث حجم الشحن والنقل البحري: يستحوذ الوقود الأحفوري على نحو 40% من إجمالي حمولات وأوزان الشحن البحري العالمي.

 

توزيع الحصص حسب نوع الوقود الأحفوري:

- النفط الخام والمنتجات المكررة: المكون الأكبر والأعلى قيمة، ويشكل وحدها ما بين 8% إلى 11% من إجمالي قيمة تجارة السلع العالمية.

- الغاز الطبيعي (المسال والأنبوبي): يمثل نحو 3% إلى 4% من إجمالي القيمة السلعية.

- الفحم الحجري: يمثل حوالي 1% إلى 2% من إجمالي القيمة.

 

 العوامل المؤثرة على تذبذب النسبة:

- تقلبات الأسعار: ترتفع حصة الوقود الأحفوري لتتجاوز 18% - 20% من إجمالي القيمة المالية للتجارة السلعية في فترات ارتفاع الأسعار، بينما تنخفض إلى ما دون 11% في فترات هبوط الأسعار.

- التحول نحو الطاقة النظيفة: رغم النمو في تقنيات الطاقة المتجددة، تظل التجارة النقدية للهيدروكربونات هي المحرك المالي الرئيسي لقطاع الطاقة في التجارة السلعية العالمية.

 

*مهندس انتاج 

هيئه إستكشاف وإنتاج النفط

 

 

 المصادر

- Statistical Review of World Energy 2024 (energy institute).

- IEA World Energy Outlook 2024.

- OPEC World Oil Outlook 2024 BP Statistical Review 2025.

- IEA World Energy Outlook 2024.

- OPEC World Oil Outlook 2024

- BP Statistical Review 2025 

- Other.

طباعة