*قراءة استراتيجية من موقع الخبرة:*
الدكتور رشيد صالح بارباع، جيولوجي وخبير في شؤون النفط والثروات المعدنية، شغل منصب وزير النفط والمعادن خلال الفترة (2002–2006)، وعضو مجلس الشورى. راكم خبرة طويلة في إدارة الموارد الطبيعية والتخطيط الاستراتيجي، ويُعد من الأصوات التي تقرأ مستقبل اليمن من زاوية الجغرافيا الاقتصادية والفرص غير التقليدية، بعيدًا عن الاقتصاد الريعي والمقاربات الظرفية.
_______________________
*اليمن في قلب التحول الجيواقتصادي العالمي*
د. رشيد صالح بارباع
وزير النفط والمعادن الأسبق - عضو مجلس الشورى
يُعاد اليوم تشكيل النظام الاقتصادي العالمي على أسس تختلف جذريًا عما ساد خلال العقود الماضية. لم تعد القوة تُقاس بحجم الناتج المحلي أو وفرة الموارد وحدها، بل بقدرة الدول على التموضع داخل سلاسل الإمداد، والتحكم في تدفقات التجارة والطاقة، وامتلاك الأصول الجغرافية القابلة للتحويل إلى نفوذ اقتصادي مستدام.
في هذا السياق، تبرز الحاجة إلى إعادة قراءة موقع اليمن خارج القوالب التقليدية التي اختزلته طويلًا في أزمات سياسية وأمنية واقتصاد ريعي محدود الأفق.
اليمن، من منظور جيو اقتصادي بحت، يمثل أحد أكثر المواقع حساسية وتأثيرًا على خطوط التجارة العالمية. موقعه عند نقطة الالتقاء بين البحر الأحمر وبحر العرب يمنحه وظيفة تتجاوز كونه دولة مطلة على البحر إلى كونه عقدة مواصلات دولية محتملة.
إن باب المندب، الذي ظل يُدار بوصفه ممرًا ملاحيًا، يمكن أن يتحول إلى مساحة خدمات بحرية ولوجستية متقدمة، تخلق قيمة مضافة حقيقية من حركة العبور نفسها، وتعيد تعريف العلاقة بين الجغرافيا والعائد الاقتصادي.
ومن الطبيعي أن تزاد أهمية هذا الموقع إذا ما أُخذ في الاعتبار الامتداد البحري المفتوح على خليج عدن وبحر العرب، بعيدًا عن قيود المضايق المغلقة. هذا الامتداد يمنح اليمن، خصوصًا في مناطقه الجنوبية والشرقية، ميزة تنافسية نادرة في عالم يبحث عن بدائل أكثر استقرارًا وأقل تعرضًا للاختناقات الجيوسياسية، وبهذا فإن الجغرافيا ستصبح عامل جذب استثماري لا مجرد واقع جغرافي.
وفي هذا الإطار، لا يمكن الحديث عن إعادة تموضع اليمن دون التوقف عند عدن. فاستعادة دور الميناء لا ينبغي أن تُختزل في تحسين الأداء التشغيلي، بل في إعادة تعريف وظيفته ضمن شبكة التجارة العالمية.. وعدن مؤهلة لتكون مركزًا إقليميًا لتجارة الترانزيت والخدمات البحرية المتقدمة، مع منطقة حرة فاعلة تستوعب أنشطة التجميع والتصنيع الخفيف وإعادة التصدير، مستفيدة من قربها المباشر من خطوط الملاحة بين آسيا وأوروبا.
كذلك يمتلك اليمن فرصة استراتيجية للعب دور الوسيط الجغرافي بين الموارد الخام في شرق أفريقيا والأسواق الصناعية في آسيا. تطوير بنية لوجستية متقدمة، تشمل موانئ جافة وشبكات نقل حديثة، يمكن أن يعيد رسم مسارات تدفق المعادن والبضائع، ويمنح اليمن موقعًا محوريًا في سلاسل الإمداد الجديدة التي يسعى العالم إلى تنويعها بعيدًا عن المسارات التقليدية المكتظة..
غير أن التحول الجيواقتصادي لا يكتمل دون إعادة النظر في طبيعة الموارد نفسها. العالم يتجه بسرعة نحو المعادن الحرجة التي تقوم عليها الصناعات المتقدمة وتقنيات التحول الطاقي.
وفي نفس السياق، تشير المعطيات الجيولوجية إلى أن مناطق حضرموت وشبوة والمهرة تمتلك بيئات واعدة لهذه المعادن، لم تُستكشف بعد بالوسائل التقنية الحديثة. الانتقال من مرحلة المعرفة النظرية إلى مرحلة الاستغلال المنظم يمثل نقطة تحول حقيقية في بنية الاقتصاد اليمني.
ولعل الأكثر أهمية من الاستخراج هو ما يلي تصدير الخام من عواقب تضاعف الهشاشة وتكرسها، بينما يخلق التصنيع الأولي قيمة مضافة، وفرص عمل نوعية، ونقل معرفة تقنية.
إن إنشاء مصاهر ومعامل تكرير أولية قرب مواقع التعدين أو الموانئ لا يعزز العائد الاقتصادي فحسب، بل يؤسس لاقتصاد تعديني متكامل قادر على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية، إلى جانب ذلك، يمثل البحر أحد الأصول الاستراتيجية الأقل استثمارًا. فالاقتصاد الأزرق، إذا ما أُدير برؤية علمية واستثمارية، يمكن أن يتحول إلى رافعة تنموية مستقرة عبر الصناعات التحويلية، والتقنيات البحرية، والسياحة البيئية، والبحث العلمي.. فضلا عن ذلك إن التنوع البيولوجي في البحر الأحمر وخليج عدن يشكل ميزة نسبية نادرة تمتاز بها السواحل اليمنية عموما.
أما الاستثمار في المستقبل فلا ينفصل عن الإنسان والتكنولوجيا والبيئة، ولا يمكن لأي دولة أن تدخل معادلة الاقتصاد العالمي الجديد دون تعليم يُنتج المعرفة ويبتكر بدلا من الاستهلاك والبقاء بعيدا عن خلق معرفة وثقافة خاصة مبدعة وخلاقة.
إن توطين استخدامات الذكاء الاصطناعي في إدارة الموانئ، والمسح الجيولوجي، وإدارة الموارد، يمثل انتقالًا من الإدارة التقليدية إلى الإدارة الذكية للأصول الوطنية.
وفي بلد يقع ضمن الحزام الشمسي العالمي ويتمتع بإمكانات رياح واعدة، تصبح الطاقة المتجددة خيارًا استراتيجيًا، ليس فقط لتأمين الطاقة، بل لدعم الصناعات الثقيلة، بما في ذلك التعدين، ضمن نموذج إنتاج نظيف ينسجم مع متطلبات الاقتصاد العالمي القادم.
نحن نتابع التحولات الرقمية والشمول المالي واقتصاد المعرفي وتأثيرها في شتى المجالات، وقد انتقلت هذه الثورة وأنطلقت بسرعة مذهلة فاقت الخيال والتوقعات، حيث يعاد تشكيل النظام الاقتصادي العالمي بعيدًا عن المركزية القديمة، وتبحث القوى الكبرى عن شركاء يمتلكون الموقع والموارد والقدرة على الاندماج في سلاسل القيمة الجديدة، فيما لازالت بعض الحكومات العربية مراوحة في نفس المكان، وقابعة بين السجلات ودفاتر الصادر والوارد هروبا من الرقمة وسرعة الوصول لفحص نوع ومستوى وكفاءة أو مخاطر الإدارة والروتين القاتل في أنظمة الإدارة والتي استشرى وتغلغل فيها الفساد المميت والقاتل.
اللحظة جد خطيرة وحساسة، مما يتطلب مشروع طموح وحاسم لصناعة التغيير، فاليمن يمتلك هذه المقومات، لكن تحويلها إلى نفوذ اقتصادي يتطلب رؤية تتجاوز إدارة الأزمات إلى صناعة الموقع.
إن الرهان على الملفات غير التقليدية لم يعد خيارًا فكريًا، بل شرطًا أساسيًا لدخول اليمن معادلة الشراكة الدولية بوصفه فاعلًا لا تابعًا.
أقول للأخ الرئيس وللأخ رئيس الوزراء ولكافة القوى السياسية، إن هذه الدعوة تمثل نبض الشعب اليمني بمختلف الوانه واتجاهاته السياسية، وطموح قابل للتنفيذ والترجمة على أرض الواقع، وعملية ممكنة للانتقال باليمن من إدارة الضرورة إلى صناعة الموقع واستعادة السلام.
فالعالم يتغير بسرعة، والفرص الكبرى لا تنتظر المترددين، بل تُمنح لمن يقرأ التحولات مبكرًا ويستثمر فيها بقرار سيادي شجاع.
اليمن يمتلك الجغرافيا، والموارد، وإمكان التحول إلى شريك فاعل في الاقتصاد العالمي الجديد، شرط أن تُدار هذه الأصول بعقل استراتيجي موحد، وبرنامج تنفيذي يتجاوز منطق الحلول المؤقتة.
إن الرهان على الملفات غير التقليدية لم يعد ترفًا فكريًا، بل مسؤولية تاريخية تضع حاضر الدولة ومستقبل أجيالها آمانة في أعناق الجميع ومسؤولية تاريخية وندعوكم لتحمل مسؤوليتكم التاريخية وبفاعلية أكبر.
والله من وراء القصد